Latifa Al-Zahrani

لطيفة الزهراني

صحافية

هيفاء المنصور: السعودية تعيش تغيرات "ثورية".. وما كان مستحيلا أصبح ممكنا

أبدت المخرجة السعودية هيفاء المنصور، عضوة مجلس هيئة الثقافة، سعادتها الغامرة بالتغيرات الكبيرة التي يشهدها المجتمع السعودي حاليا، معتبرة أن بلادها تعيش تغيرات "ثورية" تضعها في مصاف الدول المتقدمة، كاشفة عن تحضيرها لإنتاج فيلم روائي يسجل تلك التغيرات ويصور وضع المرأة السعودية الجديدة.

وقالت المنصور في مقال لها بصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، الاثنين (30 أبريل 2018)، أنها تعلمت من صغرها حب الأفلام في بلد كانت دور السينما فيه غير مسموح بإنشائها، حيث كان وصولها الوحيد إلى الأفلام كفتاة سعودية من خلال متجر متواضع لبيع شرائط الفيديو في الرياض، ولأنه كان يمنع على النساء دخول مثل هذه المتاجر، كانت تضطر المنصور للانتظار خارج المتجر حتى يقوم أحد العمال من الذكور بإحضار كتالوج لتختار منه عناوين الأفلام التي تريدها.

وبفضل جاكي شان وأفلام بوليود وديزني، استطاعت المنصور اكتشاف عالم آخر خارج الحدود، وهو ما زرع فيها حلما مجنونا لم يكن قابلا للتحقيق في تلك الفترة، تمثل في أن تصبح أحد صناع هذه الأفلام الساحرة، ولكن الآن باتت السعودية مختلفة، خاصة بعد يوم الثامن عشر من أبريل 2018، الذي سمحت فيه السلطات بعرض فيلم "الفهد الأسود" في دور السينما لأول مرة منذ عقود، حيث تقول المنصور أنها خطوة جاءت ضمن سلسلة من الإصلاحات الثقافية التي تشهدها المملكة حاليا.

وتضيف المخرجة السعودية، أنه بفضل هذه الإصلاحات، بات هناك الكثير من الأشياء التي تحدث بشكل طبيعي وروتيني في المملكة، وهي أشياء طالب السعوديون لسنوات بها وكانوا يرونها مستحيلة، مثل زيارة دور السينما وقيادة المرأة للسيارة وذهابها إلى المباريات الرياضية، أو الاستماع إلى الموسيقى في حفل جماهيري.

وترى المنصور أن الوضع الاجتماعي في السعودية يقترب بشدة من أن يصبح وضعا "طبيعيا" مثله مثل كثير من البلدان المتقدمة، وبالرغم من أن تلك التغيرات قد لا يعرف قيمتها المواطن الأجنبي، إلا أن السعوديين يعون جيدا حجم هذه التغيرات وقيمتها، وهي تغيرات تكاد تكون "ثورية" بمعنى الكلمة.

واستطاعت المنصور خلال مسيرتها الفنية صناعة العديد من الأفلام، ما بين الوثائقية والروائية، الطويلة والقصيرة، دارت معظمها حول أوضاع النساء في العالم العربي، ففي عام 2012، كتبت وأخرجت فيلم "وجدة"، الذي كان بمثابة أول فيلم روائي طويل يتم تصويره داخل السعودية وأول فيلم سعودي يتم ترشيحه لمسابقة الأوسكار، وتدور قصة الفيلم حول فتاة تحلم بامتلاك دراجة هوائية، وحول والدتها التي يتم تحديد تحركاتها اليومية بمعرفة سائق أجنبي وزوج لا يكترث لها، وهو الفيلم الذي كان له صدى جماهيريا في جميع أنحاء العالم، حيث أرادت المنصور تجسيد بلدها الذي كان قد بدأت تحولاته بالفعل، ورسم صورة صادقة لأحلام النساء والشباب في المملكة.

Haifaa Al-mansour

وللدلالة على حجم ما تشهده السعودية حاليا من تطورات في مختلف المجالات، قارنت المنصور بين بداياتها الفنية والصعوبات التي لاقتها في الماضي، وبين طموحها الحالي في ظل التطورات الجديدة، ففي الماضي لم يكن بإمكانها دراسة السينما في المملكة أو بدء نشاطها الفني داخل السعودية، لذا كان عليها السفر إلى الخارج بصحبة زوجها -وهو دبلوماسي أمريكي- لدراسة صناعة الأفلام، حيث اجتهدت لاكتساب مهارات الفن السابع في أسرع وقت.

وتقول أنها عندما عادت إلى بلادها لتصوير فيلم "وجدة" واجهت صعوبات عدة كونها امرأة وهو ما اضطرها لإخراج المشاهدة الخارجية للفيلم من داخل سيارة مغلقة بينما تدير المشهد بكاميرا مراقبة وجهاز لاسلكي، وذلك التزاما بقواعد الفصل الصارم بين الجنسين، كما لم تستطع أن تبدأ شركتها للإنتاج بدون وجود مسؤول ذكر من عائلتها، وكانت تشعر بالغضب لاضطرارها الاعتماد على أشخاص ذكور غير مؤهلين للقيام بأعمال تستطيع إنجازها بنفسها منفردة، ولكن الآن، وبعد ست سنوات من تلك البداية، ومع التغيرات العديدة التي أدخلت على مختلف جوانب الحياة في السعودية، بات باستطاعة المنصور افتتاح شركتها الخاصة هذا العام والتي ستحمل اسمها بكل صراحة وفخر "هيفاء المنصور للإنتاج".

وكشفت المنصور عن قصة أول فيلم ستقوم بإنتاجه الفترة المقبلة، والذي يحمل عنوان "المرشح المثالي"، وتدور حول طبيبة شابة تعمل في جهة حكومية بينما والدها يشارك في جولة فنية مع الفرقة الوطنية السعودية التي أعيد إحيائها، والتي كانت محظورة في الماضي بسبب منع إقامة الحفلات الموسيقية، وتشير المنصور إلى أن فيلمها يرسم الطموحات السياسية للمرأة السعودية الجديدة، ويحتفل بالفنون التي كانت مفقودة وبعودة الموسيقى إلى مدن المملكة.

وبينت المخرجة السعودية، أنها عندما أرادت جمع الأموال لإنتاج فيلمها "وجدة" كان الشركاء المحتملون يتشككون في إمكانية التصوير داخل المملكة، إلا أن المنتجين متحمسين حاليا في ظل الأوضاع الجديدة، وهو ما يجعل أفلام المنصور استثمارا آمنا، ويجعل السعودية تبدو وكأنها مكان طبيعي لتصوير الأفلام السينمائية.

وأشارت إلى أن التغييرات التي تشهدها السعودية حاليا، تساعد على تغيير الصورة الذهنية عن المملكة، خاصة مسألة قيادة المرأة للسيارة، والتي كانت سببا في إلهام المنصور بقصة فيلم "وجدة"، التي حاولت من خلاله مناقشة محنة النساء وحقها في التحرك بحرية مثل الذكور، لافتة إلى أن شخصية السائق الذي كان ينقل والدة وجدة، كانت تمثل أكبر الجوانب المحبطة في حياة النساء السعوديات، ولكن الآن سيذهب هذا السائق إلى كتب التاريخ في يونيو المقبل، عندما تمنح المرأة السعودية حقها في قيادة السيارة للمرة الأولى منذ عام 1957.

وقالت هيفاء في نهاية مقالها، إنها تلقت دعوة مؤخرا هي واثنتان من النساء بالإضافة إلى 13 رجلا، من قبل وزير الثقافة والإعلام السعودي عواد العواد، للانضمام إلى مجلس الإدارة الجديد للهيئة العامة للثقافة، وعندما وصلت إلى الرياض قادمة من لوس أنجلوس، شعرت أن بلادها باتت مختلفة بالفعل، فقد وجدت النساء يتحركن بحرية أكبر ويرتدين ملابس ملونة ويعملن بالمتاجر، باتت المرأة لا تخاف أن ينظر إليها الآخرون.

واختتمت بقولها إنه عندما تصبح كل الأشياء التي كانت مستحيلة في الماضي، أشياء طبيعية وعادية، عندها سيبدأ العمل الحقيقي، وسيسعى السعوديون إلى ما هو أبعد من "الطبيعي" لتحقيق إنجازات غير عادية.

وكانت المنصور التي واجهت هجمة شرسة في الماضي بإصرارها على خوض المجال السينمائي وتركيز أفلامها على قضايا المرأة، عبرت عن فرحتها بصدور القرار الملكي بتشكيل مجلس إدارة الهيئة العامة للثقافة والتي اختيرت عضوة فيه، في تلميح منها إلى أنها ما كانت تتوقع بعد تلك الهجمة أن يكون لها مكان في هيئة حكومية مثل هيئة الثقافة وأن تشارك في تشكيل وصناعة الوجه الثقافي والفني للمملكة.

سعوديات في هذا المقال

هيفاء المنصور هي واحدة من أبرز المخرجات العربيات، وأحد العلامات البارزة في السينما السعودية.

إضافة تعليق جديد