Mashael Al Qahtani

مشاعل القحطاني

صحافية

صفية بن زقر تحتفل بمرور 50 عاما على مسيرتها كأول تشكيلية سعودية

تحتفل الفنانة التشكيلية السعودية، صفية بن زقر، هذه الأيام بمرور خمسين عاما على بدء مسيرتها الفنية، التي استطاعت من خلالها إحياء التراث السعودي ونشره عبر لوحاتها الفنية للأجيال الجديدة في الداخل ولكل المهتمين بالحركة الفنية في العالم.

وبهذه المناسبة نشرت صحيفة "ذا ناشيونال" الإماراتية الناطقة بالإنجليزية، تقريرا وحوارا مع صفية بن زقر، بعد مرور 50 عاما على إقامتها لأول معرض للفن الحديث في السعودية، والذي أقامته صفية داخل إحدى مدارس البنات في جدة، حيث لم يكن هناك أي قاعات للمعارض في ذلك الوقت.

وتقول الفنانة البالغة من العمر 78 عاما "قررت أن أقيم المعرض سواء تقبله المشاهدون أو اعترضوا عليه، قلت في نفسي إن لم أستطع تنظيم ذلك المعرض في تلك المرة لن أيأس، سوف أحاول مجددا، أو ربما يأتي شخص بعدي يخوض التجربة ذاتها وينجح، ولكن المفاجأة أن المجتمع تقبل المعرض، وفي اليوم التالي كانت كل وسائل الإعلام المتاحة في ذلك الوقت تتحدث عن المعرض".

والآن وبعد خمسين عاما من هذه الواقعة، بات يطلق على بن زقر لقب "أم الفن" في السعودية، كما حصلت على وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى في عام 2017، نظير إسهاماتها في الثقافة السعودية.

لوحة لصفية بن زقر

الفولكلور السعودي

وركزت صفية بن زقر في لوحاتها الفنية على تصوير ماضي المملكة العربية السعودية واشتهرت بتوثيقها للفولكلور والمظاهر الاجتماعية والثقافية والمعمارية لمدينة جدة، مثل طقس "المحمل" وهو احتفالية كانت تجرى في جدة قبل الحج مباشرة تمهيدا لتغيير كسوة الكعبة المشرفة، كما حرصت على تجسيد روح المرأة السعودية وبالأخص الجانب الفني المتعلق بأزيائها.

ولدت صفية في جدة لأسرة ثرية تعمل بالتجارة، وعندما بلغت السابعة من عمرها انتقلت مع أسرتها للعيش في القاهرة، وهناك تلقت تعليمها الأولي، ثم انتقلت لاستكمال دراستها في المملكة المتحدة، حيث انتظمت في دروس مدرسة "سان مارتن" للفنون في لندن.

عندما عادت صفية مجددا إلى جدة، شاهدت بلدها بنظرة مختلفة، وبدأت في جمع القصص التراثية المتعلقة بالمدينة الساحلية المطلة على البحر الأحمر والحياة فيها بهدف إحياء تلك المشاهد عبر لوحاتها.

ولأنها نشأت في القاهرة وليس في السعودية، كان لزاما عليها بذل جهد كبير للتعرف على عادات وتقاليد بلدها فأجرت العديد من الأبحاث في البداية لرسم صورة كاملة عن مجتمعها الأصلي، وهو ما ساعدها لاحقا على تجسيد هذه الصورة بشكل عميق وصادق في أعمالها الفنية.

واستطاعت صفية إحياء هذا الماضي عبر لوحات لها ألوان زاهية وبريشة دقيقة ومتقنة، خاصة وأن العديد من هذه المشاهد التي رسمتها، مثل مشهد المحمل مثلا، كانت عبارة عن تقاليد مملوكية انتهت في عشرينيات القرن الماضي.

لوحة لصفية بن زقر

المرأة الحجازية

وفي فترة السبعينيات، وجهت اهتمامها للتعبير عن المرأة، حيث قامت في لوحاتها برسم تفاصيل طقوس الزواج، مثل الاحتفال الذي تظهر فيه العروس لأول مرة أمام العريس، والذي يقف فيه العريس ليقرأ أمام عروسته بعض آيات من القرآن الكريم، حيث ترتدي العروس فستان جميل مطرز بالخرز وفوق رأسها غطاء يزيدها جمالا. ولكي تتمكن من رسم هذه المشاهد بدقة، تحدثت إلى كثير من النساء في عائلتها خاصة كبار السن، حيث كانت مهمة النساء المتزوجات إعداد العروس الجديدة.

وكانت حريصة بن زقر على تجسيد التنوع الذي تمتعت به الحياة التقليدية في السعودية في تلك الفترة، خاصة في ملابس النساء، وتقول في ذلك أنه كان لكل منطقة في المملكة هندسة معمارية مختلفة وأسلوب حياة مختلف وأزياء مختلفة، ففي المناطق الغربية "الحجازية" كانت الأزياء التي ترتديها النساء شبيهة بالأزياء العثمانية، وفي الشمال وكلما اقتربنا من الحدود كانت أزياءهن أقرب للتقاليد الأردنية، أما في الجنوب، فكانت تتميز المرأة ببساطتها في أزيائها.

وفي أحد أشهر لوحاتها التي أنتجتها عام 1969، وهي عبارة عن بورتريه شخصي لها، جسدت صفية الأزياء النسائية للحجازيات في تلك الفترة، حيث ظهرت ترتدي معطف أصفر ذهبي وتضع على رأسها غطاء أبيض، بينما تجلس على مقعدها في هدوء يرسم ملامح عميقة لطبيعة المرأة السعودية في ذلك الزمن البعيد.

لوحة لصفية بن زقر

دارة صفية

في عام 1995، قررت تحويل منزلها إلى ما يشبه مؤسسة فنية صغيرة، وأطلقت عليه اسم "دارة صفية بن زقر"، حيث ضم مكتبتها ورسوماتها بالإضافة إلى مجموعة من أبحاثها حول أزياء المرأة السعودية التقليدية، كما ضمت نماذج حقيقية لهذه الأزياء، وهو ما يكشف دورها في الحفاظ على التراث وإبقائه حيا في ذاكرة السعوديين، كما ضمت الدارة أيضا ورشتها الخاصة التي تنفذ فيها أعمالها الفنية.

وفي سبيل رسالتها الفنية، سافرت صفية إلى مختلف مناطق المملكة للتعرف على أزياء النساء، وطلبت من الأسر التبرع ببعض قطع الملابس التراثية التي يمكن أن يساهم الاحتفاظ بها في تعريف الأجيال الجديدة بشكل وطبيعة حياة أجداده، كما دارت على مختلف المكتبات السعودية وكذلك المكتبات العالمية الكبرى للاطلاع على أرشيف الصور المتعلقة بالسعودية، فاستطاعت التعرف على مختلف عناصر الأزياء السعودية للنساء، مثل الملابس والمجوهرات والأحذية وأغطية الرأس بأشكالها المختلفة وألوان كل ذلك وطريقة صنعة وارتدائه.

وحاليا، باتت "دارة صفية بن زقر" تضم مكتبة كبيرة تشتمل على أكثر من 5 آلاف كتاب، كما تنظم مسابقات رسم للأطفال، وتقيم محاضرات فنية للمهتمين والباحثين، حتى باتت أشبه بقبلة فنية يقصدها كل المهتمين بالتراث السعودي، وباتت تستقبل الكثير من الشخصيات الهامة مثل ملك إسبانيا والعديد من الوفود الأجنبية.

وكردة فعل ناجحة على مجهودها في إحياء التراث، بات الكثير من النساء السعوديات يقصدنها ليعرفن منها تفاصيل الأزياء السعودية التقليدية بهدف صناعة أزياء مماثلة وارتدائها في حفلات مشابهة مثل حفلات الزفاف، وهو ما يعد أبلغ تجسيد لنشر لرسالتها الخاصة بالتراث.

وفي عام 2014، تم تكريمها من قبل المعرض الدولي السنوي للفنون، نظرا لإسهامها الكبير في الحركة الفنية السعودية ومجهودها الضخم في إحياء التراث الحجازي، قبل أن تكلل مسيرتها بوسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى الذي حصلت عليه في عام 2017.

سعوديات في هذا المقال

واحدة من الرائدات في الفنون التشكيلية بالسعودية، أقامت أول معرض لها في جدة قبل 50 عاما

إضافة تعليق جديد