رحمة ضياء

رحمة ضياء

محررة

توصية بـ"الشورى" لإلغاء دور الضيافة: سجن يفرضه المجتمع

تقدمت عضوة مجلس الشورى لطيفة الشعلان، بتوصية طالبت فيها بالسماح للنساء المفرج عنهن بعد انقضاء مدة محكوميتهن، بمغادرة دار الضيافة بشكل فوري دون الحاجة لحضور أولياء أمورهن لاستلامهن، أسوة بالمفرج عنهم من الذكور.

ودور الضيافة بالسعودية هي أماكن تستقبل الفتيات والنساء السعوديات اللاتي سبق وحكم عليهن بالسجن بعد انتهاء فترة عقوبتهن، وذلك عند رفض أسرة السجينة استلامها، حيث ترفض كثير من الأسر استلام بناتهم السجينات بدعوى أنهن أسأن إلى اسم الأسرة لذا تتبرأ منهن نزولا على ضغوط اجتماعية تتمثل في النظرة السلبية التي ستلاحق الفتاة طوال حياتها كونها حكم عليها بالسجن.

وقالت الشعلان في توصيتها، إن مطلبها يحقق مبدأ العدالة بين المرأة والرجل وحماية الحقوق الإنسانية، معتبرة أنه من غير المنصف أن يسمح للرجل المفرج عنه بعد انقضاء مدة محكوميته بمغادرة السجن وهو شاب في 19 من عمره، بينما تمنع المرأة من ذلك ولو كانت في الأربعين من عمرها.

وبالرغم من الدور الحيوي الذي تشكله دور الضيافة بالنسبة لهذه الفئة من النساء اللاتي يجدن أنفسهن مرفوضات من الأسرة والمجتمع، إلا أن البعض ينظر إلى دور الضيافة باعتبارها أماكن احتجاز تستكمل فيها المرأة السعودية العقوبة مدى الحياة، حيث لا يسمح للفتيات أو السيدات بالإقامة بشكل منفرد أو مستقل عن الأسرة.

ومن بين الانتقادات التي وجهتها عضوة مجلس الشورى لدور الضيافة، ما اعتبرته تقييد لحرية المقيمات في تلك الدور، وسوء تنظيمها كونها تضم جميع النساء المفرج عنهن دون مراعاة للجرائم التي قمن بارتكابها مما يجعل البيئة غير مناسبة اجتماعيا ونفسيا لإعادة التأهيل.

غضب أسري

واستقبلت دور الضيافة السعودية بمختلف المناطق 68 فتاة عام 2016، رفضت أسرهن استلامهن بعد انتهاء مدة عقوبتهن، وهو رقم أقل كثيرا من العام الذي سبقه والذي بلغ 103 فتاة عام 2015، فيما كان العدد 74 فتاة في 2014.

وتبقى الفتاة السعودية مقيمة في دور الضيافة في انتظار عدول ولي أمرها عن قراره بعدم استلامها، وهو الأمر الذي قد لا يتحقق رغم محاولات الجهات المسؤولة إقناع الأهل بالتراجع عن موقفهم وإعطاء المرأة فرصة ثانية لبدء حياة جديدة.
وبحسب إحصائية رسمية تعود 36% من السجينات المفرج عنهن إلى الجريمة بسبب عدم التقبل الأسري والمجتمعي لهن.

مطالب حقوقية

ويطالب حقوقيون بإعطاء السجينات حرية المغادرة فور انتهاء مدة عقوبتهن، ويستندون في مطلبهم إلى بعض النصوص القانونية منها المادة السابعة من نظام السجن والتوقيف السعودي والتي تنص على أنه "لا يجوز أن يبقى المسجون أو الموقوف في السجن أو دور التوقيف بعد انتهاء المدة المحددة بأمر إيداعه".

كما تنص المادة 21 من النظام نفسه وتنص على أنه "لا يجوز أن يؤخر الإجراء الإداري (الإفراج عن المسجون أو الموقوف) في الوقت المحدد"، والمادة 24 تنص على أنه "يُفرج عن المسجون أو الموقوف قبل ظُهر اليوم التالي لانقضاء العقوبة أو مدة الإيقاف؛ وذلك ما لم يصدر عفو عام عن الجريمة أو العقوبة أو جزء منها؛ فيتم الإفراج عن المسجون والموقوف في الوقت المحدد بقرار العفو"، إلا أن هذه النصوص تتعارض من نظام الولاية بالمملكة إذ يشترط موافقة ولي الأمر على تسلم السجينة المفرج عنها حتى يتسنى لها الخروج من السجن.

ونظام الولاية هو حالة قانونية يمنح لرب الأسرة سواء كان الأب أو الشقيق أو الزوج سلطة اتخاذ القرار نيابة عن المرأة سواء فيما يتعلق بالتقديم للدراسة أو الزواج أو السفر للخارج وغيرها من الأمور.

وفي مايو 2017 صدر أمر ملكي يقضي بعدم اشتراط الهيئات الحكومية موافقة ولي الأمر لتقديم خدمات للنساء إلا أنه لم يشمل كافة المعاملات الحكومية التي لا يزال بعضها مقترنا بموافقة الولي كطلب إصدار جواز سفر.

كما وعد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في تصريحات صحفية مؤخرا لوسائل الإعلام العالمية، بمراجعة قوانين الولاية على المرأة وتعديلها بالشكل الذي يرضي جميع الأطراف، بما يسمح بمنح المرأة المزيد من الحريات.

حلم الزواج

وهناك سجينات سابقات أكثر حظا تنتهي معاناتهن بالزواج من أحد المتقدمين للزواج منهن، وفي أغلب الأحوال يرفض أولياء الأمور التجاوب مع رغبة بناتهن المودعات بدور الضيافة في الزواج؛ فيرفع الأمر إلى الحاكم الإداري ومنه إلى القضاء الذي يحكم لصالح السجينة السابقة بالزواج.

واعتادت دور الضيافة أن تعلن عن فتح الباب للتقدم للزواج من نزيلاتها لمن تنطبق عليهم شروط أهلية الزواج كوجود دخل شهري مناسب وإجراء مقابلة شخصية معه وإحضار شهادة تزكية من عمدة الحي الذي يقطنه، وتقام مراسم الزفاف داخل الدار بحضور رئيس الدار والإخصائيات الاجتماعيات ونادرا ما يشارك فيها ولي أمر العروس.

حزم أم قسوة؟

وهناك الكثير من اللغط حول المعاملة التي تلقاها المودعات بدور الضيافة بين شكاوى من نزيلات من سوء المعاملة والتعنيف الذي يدفعهن للهرب، وبين تأكيدات من الجهات الرسمية بحسن استقبال الفتيات وتوفير سبل الحماية لهن، إضافة إلى تخصيص برامج لتأهيلهن نفسيا وصحيا، وتدريبهن على حرف تساعدهن على المعيشة.

وقال صالح سرحان مدير فرع الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في جدة، إن هناك شكاوى تقدمت بها نزيلات بدار ضيافة جدة للجمعية قام على إثرها فريق نسائي من الجمعية بزيارة لمقر الدار، وتضمنت الشكاوى اتهام دار الضيافة بأنها سجن كبير ومكان غير لائق وأن الدار تتعامل معهم بشدة وعنف، ويتم حرمانهن من كافة وسائل الترفيه ومنعهم من مواصلة التعليم وعدم السماح لهن بالخروج نهائيا للخوف من هروبهن إضافة إلى شكواهن من سوء التغذية وعدم توافر الرعاية الصحية، وذلك في تصريحات سابقة لصحيفة عكاظ السعودية.

انتقادات واتهامات

ودُشن حساب على موقع تويتر العام الماضي باسم "حقيقة دار الرعاية" وذكرت إحدى التغريدات أنه الهدف من هذا الحساب هو "توعية المجتمع بحقيقة دور الرعاية/الحماية/الضيافة وكشف كل ما يحدث بداخلها من جرائم وانتهاكات لحقوق وكرامة النساء".

ونشر الحساب قصصا وشكاوى نزيلات بدور الضيافة من سوء المعاملة والتعنيف، وطالب بإلغاء نظام الولاية الذي يسمح بإيداع الفتيات في دور الضيافة، ونشر قصة لنزيلة بإحدى دور الضيافة منذ ثلاث سنوات وتهمتها هي قطع الإشارة وهي تهمة لا تتجاوز عقوبتها بضعة أيام ولكن بسبب رفض والدها استلامها لا تزال بالدار منذ 3 سنوات.

من جانبها قالت الكاتبة هيلة المشوح في مقال لها بصحيفة عكاظ أن "الشاب تذبح الذبائح عندما يخرج من السجن عند البعض، بينما الفتاة تدخل دور الرعاية والإيواء، ويرفض ذوها استلامها، ويحكمون عليها بالسجن المؤبد، لا لشيء إلا لكونها أنثى".

وطالبت الدولة بأن "تغيير هذه الأنظمة وإلزام الأهالي بمسؤولياتهم تجاه فلذات أكبادهم، وتحت إشراف هيئات متخصصة لحمايتهن"، ووضع حد لمعاناة الفتيات اللاتي عشن ماضيا "موغلا في الوجع ويعشن مستقبلا لا يحمل أي أمل أو طموح يذكر".

إصلاحات مبشرة

وشهد العام الماضي عدة قرارات إصلاحية صبت في صالح المرأة السعودية تماشيا مع رؤية السعودية 2030، والتي تضع النهوض بأوضاع المرأة السعودية ومنحها مساحة أكبر من الحرية في مقدمة أهدافها وهو ما ترجم إلى عدة قرارات كمنحهن حق قيادة السيارة وهو الحلم الذي يوشك على التحقق في يونيو المقبل.

وشملت قرارات الإصلاح والتغيير السماح للنساء بدخول الملاعب الرياضية لأول مرة، والمشاركة في الحفلات الموسيقية المخصصة للعائلات بعدما كانت تقتصر على مشاركة الشباب، وسمح لهن مؤخرا بإقامة مشاريع تجارية خاصة بهن دون حاجة لموافقة ولي الأمر.

وتطمح السعوديات بأن يستمر قطار التغيير في طريقه وصولا إلى محطة إصلاح مسألة الولاية بما يسمح للمرأة بالسفر للخارج والشروع في الزواج ومغادرة السجن وغيرها من الأمور التي تتطلب موافقة ولي الأمر، والتي سيكون من بينها إنهاء معاناة نزيلات دور الضيافة.

سعوديات في هذا المقال

الدكتورة لطيفة الشعلان هي أكاديمية وكاتبة سعودية وعضو بمجلس الشورى السعودي منذ العام 2013.

إضافة تعليق جديد